محمد بن محمد ابو شهبة

15

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

ورضعوها في لبان أمهاتهم ، ورموه بأشنع الصفات التي يتنزه القلم عن ذكرها ، وأسفّوا في ذلك غاية الإسفاف « 1 » ، ولكن المنصفين منهم - وقليل ما هم - ردّوا عليهم ، وأنصفوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعض الإنصاف ، وإن لم تخل كتبهم من الغمز واللمز . وقد استندوا في طعونهم وسفاهاتهم إما على روايات باطلة اعتبروها صحيحة ، وإما على روايات صحيحة حرّفوها عن مواضعها ، وإما على أوهام تخيّلوها . ومن الأباطيل التي تمسك بها بعض الكاتبين في السيرة من الغربيين ، وأبواقهم المقلّدون لهم قصة الغرانيق ، وزعمهم قيام الإسلام على السيف والإكراه ، وطعنهم في النبي بسبب تعدد زوجاته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقصة زواجه بالسيدة زينب بنت جحش على ما يذكرها من لا علم عندهم ، ولا تحقيق ولا تمييز بين الغث والسمين . ومن مزاعمهم إنكارهم الوحي بالمعنى الشرعي ، وتفسيرهم له بالوحي النفسي ، بل أسفّ بعضهم فجعل الحالة التي كانت تعتري النبي صلوات اللّه وسلامه عليه عند الوحي نوعا من الصّرع ، إلى غير ذلك مما أشبعت القول فيه في هذه السيرة المحققة . ومن عجيب أمر المبشرين والمستشرقين أنهم في سبيل إرضاء أهوائهم ، ونزواتهم الجامحة ، وأحقادهم الموروثة يصحّحون الروايات المكذوبة ، والإسرائيليات المدسوسة ، ما دامت تسعفهم وتساعدهم على باطلهم ، على حين نجدهم يحكمون على روايات صحيحة ، بل في أعلى درجات الصحة بالوضع والاختلاق ؛ لأنها لا تؤيدهم فيما يجترحون من طعون ، وتجن أثيم على مقام النبي وال بيته . ولست أدّعي أني في ردّي أباطيل المستشرقين والمبشرين ابن بجدتها ،

--> ( 1 ) حياة محمد ، لإميل در منغم ، ترجمة عادل زعيتر ص 11 ؛ وحياة محمد ، لهيكل ص 10 ، 11 .